ابن حجر العسقلاني
38
تلخيص الحبير ( ط العلمية )
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
--> = = وقد اختلف في علة النهي ، هل المقصود منه دفع الضرر عن الجالب ؛ لأنه في الغالب يبيع بسعر أقل من سعر السوق ، أم المقصود هو دفع الضرر عن أهل البلد بحرمانهم من اشتراكهم في السلع المجلوبة ؛ ولأنها تباع لهم بسعر أعلى فيما لو هبط الجالبون أنفسهم السوق وتولوا بيعها ، أم أن هذا النهي لا علة له أصلا ، بل هو حكم تعبدي . بالأخير قال الظاهرية ، فأحكام الشريعة عندهم تعبد محض لا تعلل ، ولا يقاس عليها ، ولذلك فهم يجعلون الخيار للجلاب ، مطلقا إذا هبطوا السوق سواء غبنوا في البيع ، أو لم يغبنوا عملا بإطلاق الحديث . وبالتالي قال المالكية ، فالمنع عندهم من التلقي مقصود منه مصلحة أهل الأسواق الذين جلسوا يبتغون فضل الله ، ورحمته ، ويترقبون ورود أهل البضاعات إليهم ، ليتسابقوا في الشراء منهم . والنتيجة الحتمية لهذا الرأي أن الجالب لا حق له فيه فسخ البيع ، إذا هبط السوق ، وتبين أنه قد غبن ، وهذا هو مذهب المالكية بعينه . إلا أنهم اختلفوا هل يجبر المتلقي على شراكة أهل السوق في السلعة وفقا للضرر بهم بقدر الإمكان أم لا يجبر ، لأن البيع قد وقع صحيحا ، ولا ينزع من أحد ملكه قهرا عنه . روايتان : وبمثل قول المالكية قال الحنفية ، إلا أنهم يفترقون عن المالكية من جهة أن البائع لا يجبر على إشراك أهل السوق عندهم قولا واحدا . وهذا آت من جهة ، أنهم راعوا مصلحة المستهلكين من أهل البلد لا مصلحة التجار والممولين ، كما هو رأي المالكية . وبالأول قال الشافعية ، فالمنع عندهم مقصود منه مصلحة الجالب نفسه ، فلو هبط السوق ، وتبين أنه قد غبن في السعر ، ولو غبنا يسيرا ، فهو بالخيار ، إن شاء فسخ البيع ، وإن شاء أمضاه بالثمن المتفق عليه ، فلو لم يكن هناك غبن ، فلا خيار ، ولا حرمة . وحجتهم على هذا أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جعل للجالب الخيار إذا هبط السوق ، وما ذاك إلا لمعرفته بالسعر حينئذ ، فلا يفسخ إلا إذا عرف أنه مغبون ، وإلا لم يكن لهذا التقييد من فائدة . ويفرق بعض الشافعية بين ثبوت الخيار للبائع إذا تلقاه المشتري ، فاشترى منه بغبن ، وبين عدم ثبوته له إذا اشترى منه المشتري بغبن في الحضر ، بأن المشتري في الحالة الأولى غرر بالبائع ، حيث أخبره بالسعر على غير حقيقته ، وهذا فرق غير وجيه ، لأنه لو اشترى منه فغبنه كان له الخيار ، ولو لم يخبره بسعر السوق ، وأيضا لو دلس البائع على المشتري في السعر في الحضر ، فقال : أعطيت في هذه السلعة كذا وكذا ، فصدق المشتري فلا خيار له ، كالبخس سواء بسواء وإذا فالتغرير غير معتبر عندهم في إثبات الخيار للمغبون ، وأما الحنابلة فالظاهر من شأنهم أنهم يجعلون المقصود من النهي عن تلقي الجلب هو مراعاة المصلحتين معا مصلحة الجلاب ، ومصلحة أهل الأمصار ، فجعلوا الجالب بالخيار إذا غبن غبنا فاحشا ، وحرموا التلقي إذا تضرر به أهل المصر ، وهذا كما هو ظاهر . أعدل المذاهب ، والنص لا يفيد سوى قصر الخيار على الجلاب ، والحرمة أمر وراء ذلك . هذا مذهب الحنفية ، والمالكية القائل : إنه لا خيار للجلاب ، إذا باعوا بغبن ، فهبطوا السقو ، وتبينوا الحقيقة مخالف لصريح النص . ومحاولة استخراج علة خاصة من النص تتنافى وثبوت الخيار لهم محاولة تهدم النص ، وهي في الوقت نفسه عكس ما هو المعروف لدى جميع العلماء من أنه يؤخذ النص بعد ثبوت صحته على أنه مسلم =